ابن الحسن النباهي الأندلسي

122

المرقبة العليا فيمن يستحق القضاء والفتيا ( تاريخ قضاة الأندلس )

غاية ، وأن يجري على الجزية في جميع أملاكه بكورة ريّة حاضرتها وباديتها ، الموروثة منها ، والمكتسبة القديمة الاكتساب والحديثة ، وما ابتاع منها من العالي - رحمه اللّه - وغيره ، لا يلزمها وظيف بوجه ، ولا يكلف عنها كلفة على حال ، وأن يجري في قرابته ، وخوله ، وحاشيته ، وعامري ضياعه ، على المحافظة والبرّ والحريّة . وأقسم على ذلك كلّه بلقّين بن باديس ، باللّه العظيم ، وبالقرآن الحكيم . وأشهد اللّه على نفسه ، وعلى التزامه له ، وكفى باللّه شهيدا ! وكتب بخطّ يده في مستهلّ شهر رمضان سنة 449 . واللّه المستعان » . واستمرّت إمارة بلقّين بمالقة إلى عام 456 ؛ فتوفّي بها من وجع أصابه . وعادت المدينة إلى ما كانت عليه من إيّالة المظفّر والده ؛ فزاد ابن الحسن أثره إلى أثرته ، وعرض عليه قضاء حضرته ؛ ورام نقلته من عادته في ترك الجراية المتعارفة لأمثاله من القضاة ؛ فثبت على حالته ، ولم يأخذ على القضاء رزقا من بيت المال مدّة حياته . وكان عن التعالي بالمرتب في غناء ، لكثرة ماله ، ولما تقدّم من إرفاقه بتحرير أملاكه ؛ وكانت من الكثرة بحيث ناهز أملاك صاحبه القاضي بإشبيلية ، إسماعيل بن محمد بن عبّاد ؛ وربّما زاد خارجه ، ولا سيّما فيما يرجع إلى النّفقات والصدقات ؛ فإنّه كان يصنع الدعوات الواسعة ، ويحضرها شيوخ وقته من الفقهاء والأماثل ؛ فيوليهم إكراما ، ويوسعهم إطعاما . وكان في كلّ رمضان بحذو حذو صهره القاضي بقرطبة أحمد بن زياد ؛ فيدعو بدار له ، تجاور المسجد عشرة من الفقهاء ، في طائفة من وجوه الناس ، يفطرون كل ليلة عنده ، ويتدارسون كتاب اللّه بينهم ، ويتلونه . وكان يذهب مذهب العبّاس بن عيسى ، أحد أشياخ أبي محمد بن أبي زيد ، أن ينوي الإنسان في كلّ تطوّع وصية يوصي بها ، وصدقة بردّ التبعات المحصولة ؛ لأنّ ردّها أوجب من التطوّع ، وكذلك في الصّلوات ؛ إذا أحبّ أن يتنفّل ، صلّى صلاة يوم ، ونوى بها الخمس تكون قضاء عمّا لا يدري أنه فرط فيه أو فسد عليه . وكان في قضائه ماضيا ، مهيبا ، صليب القناة ، قليل المداراة في الحقّ ، لا يقضي على هناة ، ولا يخاف لومة لائم .